يعيش العالم اليوم واقع التغير المناخي، وليبيا ليست استثناء من ذلك. التغيرات المناخية هذه ستؤثر على شكل حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية حينما تجبرنا على تغيير مسكننا، ومأكلنا عندما تختفي ثمارنا التي نحبها ونُجبر على أكل ثمار الأشجار التي صمدت في وجه التغير المناخي، ومشربنا وقتما تجف منابعنا ما لم نجد سبلاً أخرى للسُقيا، وهذا نظراً للأهمية الكبرى التي يلعبها المناخ في تشكيل عيشنا وعالمنا.

 لم يعد بإمكاننا تغطية عين الشمس بغربالٍ أكثر من ذلك، التغير المناخي الذي كان كابوساً يلاحقنا، صار حقيقةً نعيش عواقبها.


يعيش العالم اليوم واقع التغير المناخي، وليبيا ليست استثناء من ذلك. التغيرات المناخية هذه ستؤثر على شكل حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية حينما تجبرنا على تغيير مسكننا، ومأكلنا عندما تختفي ثمارنا التي نحبها ونُجبر على أكل ثمار الأشجار التي صمدت في وجه التغير المناخي، ومشربنا وقتما تجف منابعنا ما لم نجد سبلاً أخرى للسُقيا، وهذا نظراً للأهمية الكبرى التي يلعبها المناخ في تشكيل عيشنا وعالمنا.


ما هو التغير المناخي وكيف يحدث؟ 

تُعرّف الأمم المتحدة التغير المناخي على أنه "التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس." كان الإنسان سبباً رئيسياً في حدوث التغيرات المناخية وذلك بثورته الصناعية المعتمدة أساساً على احتراق الوقود لتشغيل المصانع وتحريك المواصلات، واستنزافه للموارد المائية، وقطعه للأشجار.


يزيد احتراق الوقود من انبعاثات الغازات الدفيئة (أهمها غاز ثاني أكسيد الكربون CO2) إلى الغلاف الجوي فترتفع درجات الحرارة أكثر فأكثر فيما يعرف بتأثير البيت الزجاجي (الصوبات) أو الاحتباس الحراري. وتزايدت انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون باطراد عبر السنوات وتفاقمت معها تأثيرات التغير المناخي ووصلت إلى 6 مرات أكثر في عام 2016 مقارنة بكميتها عام 1950.


ارتفاع درجات الحرارة ليس العاقبة الوحيدة للتغيرات المناخية، حيث يتسبب أيضاً ذوبان الثلوج -الناجم أصلاً عن الاحتباس الحراري- في رفع منسوب مياه البحار ما يهدد مدن عدة حول العالم بالغرق. في المقابل، مدن أخرى حول العالم مهددة بالتصحر نتيجة لندرة المياه فيها، وللقطع الجائر للأشجار المهمة للمناخ.


ليبيا والتغير المناخي: خطان يلتقيان

تقع ليبيا في شمال أفريقيا حيث تطل شمالاً على البحر الأبيض المتوسط، أما جنوباً فتحدها الصحراء الكبرى. يؤثر موقعها هذا مباشرةً في تشكيل طقسها، حيث توجد في ليبيا 5 مناطق مناخية، أهمها الصحراوي والمتوسطي وهو المناخ السائد في ليبيا، ويعرف بكونه حار جاف صيفاً، بارد ممطر شتاءً. وتعتبر ليبيا إحدى الدول الجافة ومناخها شبه قاحل إذ تشكل الصحراء من مساحتها ما نسبته 95%.


بسبب طقسها الجاف أصلاً ونقص مواردها المائية غير المتجددة التي تعتمد عليها، واعتماد البلاد على النفط ومشتقاته مورداً أساسياً لدخل الدولة ومصدراً وحيداً للطاقة تعتبر قضية التغير المناخي من أهم المشاكل التي تواجه ليبيا حيث ستلقي هذه القضية بظلالها على مواطن العادي الذي ستتأثر حياته، ومسكنه، ومشربه فبحسب تقرير نشره البنك الدولي في نوفمبر عام 2014 بعنوان (مواجهة الواقع المناخي الجديد) فإن البلاد العربية -ومنها ليبيا- ستشهد نقصاً في الموارد المائية الشحيحة أصلاً.



التغير المناخي وأثره على حياة المواطن العادي

صارت التغيرات المناخية في ليبيا ساطعةً كضوء الشمس وأثرت في حياة المواطن العادي اليومية، وتتمثل التغيرات في اشتداد القيظ، وحدوث موجات حر حادة، وعواصف رملية، وندرة في هطول الأمطار، وتأخر دائم في بداية فصل الشتاء عما كان عليه سابقاً. ويتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في ليبيا على المدى القريب والبعيد والمتوسط بـ1.4 و5.5 درجة سلسيوسية.


تؤدي الارتفاعات في درجة الحرارة هذه إلى تبخر مياه التربة ومياه البحيرات، وإطالة مواسم الجفاف التي تمر بها ليبيا أصلاً، فمنذ 12 عاماً ذكر تقرير نشره المركز الوطني للأرصاد الجوية أن ليبيا تمر بموسم جفاف ملحوظ في جميع مناطقها وخصوصاً المنطقة الوسطى. 


أثرت التغيرات المناخية أيضاً على معدلات هطول الأمطار حيث انخفضت معدلات هطولها إلى ما نسبته 27.68% سنوياً في المتوسط بين عامي (1960-2010) في محطة رصد مطار طرابلس، ولوحظ انخفاض معدلات هطولها بشكل عام في أغلب محطات الرصد التي تضمنتها دراسة للدكتور خالد إبراهيم الفاضلي، خبير المناخ والتغير المناخي في المركز الوطني للأرصاد الجوية. 



نقص معدلات هطول الأمطار وتوسع رقعة الجفاف التي تمر بها ليبيا ستلقي بثقلها على المزارعين المحليين الذين يعتمدون في دخلهم على ناتج محصول مزارعهم المعتمدة أساساً إما على الري بمياه النهر الصناعي الذي يأتي من مصدر غير متجدد في عمق الصحراء، وإما تعتمد على الري بمياه الآبار، وهذا يجعل أمن ليبيا المائي مهدداً بالنفاد.



سد وادي كعام: مثال حي للتغير المناخي

في مثال حي لهذه الظواهر، أدى نقص هطول الأمطار عام 2020، وموسم الصيف الحار الذي حلّ عام 2021 إلى جفاف بحيرة سد وادي كعام تماماً والتي كانت تتسع إلى ما يقارب 33 مليون متر مكعب من المياه وتمثل مصدراً رئيسياً للمياه الجوفية في المنطقة ما يهدد السكان بعطش أراضيهم، وأبدانهم. 


قال عبد السلام العيلة (مدير وادي كعام) أن التغيرات المناخية وارتفاع نسبة التبخر التي وصلت إلى 14 ملليمتر يومياً وانعدام الفيضانات المطرية عام 2021 أدت إلى جفاف السد الواقع 130 كيلومترا شرقي العاصمة. حذر المسؤول البيئي الليبي المكي العجيل من اختلال التنوع البيئي في ليبيا إذ نتج عن جفاف البحيرة وتلوثها بفطر سام نفوق أسماك الشبوط والكرب التي كانت تعيش في البحيرة، كما وتنبأ العجيل بنفوق الطيور المعتمدة على هذا السد في غذائها.



أين المفر: التصحر أمامكم وارتفاع منسوب المياه من خلفكم

بالرغم من المساحة الشاسعة لأراضي ليبيا إلا أن الصحراء تشكل 95% منها،  ويعيش أكثر من 70% من سكان ليبيا على المدن الساحلية لأسباب اقتصادية وتنموية وأخرى أمنية. تهدد التغيرات المناخية هؤلاء السكان بخطر فقد مساكنهم في حال استمرار ارتفاع منسوب مياه المتوسط وهو ما يمثل خطراً وجودياً بحسب تقرير الأمم المتحدة. 


لا يغيب انحسار الغطاء الأخضر في ليبيا على أحد، فقد تسبب العوامل البشرية مثل الزحف العمراني والقطع الجائر للأشجار في تغيرات مناخية ونقص في المحاصيل الزراعية. تمثلت التغيرات المناخية للتصحر في تكرر العواصف الرملية التي تزايدت بفضل تعرية التربة وتناقص الأشجار، وتشكل العواصف الرملية مشكلةً اقتصادية وصحية خاصةً لمرضى الأمراض التنفسية.


وقال رئيس لجنة مكافحة التصحر عبد الغني عون في بيان أن التصحر في ليبيا بات يستدعي تدخلاً حكومياً ودعا إلى عدة إجراءات، منها: منع زراعة المحاصيل التي تتطلب كميات مياه كبيرة، وزراعة الأشجار المتحملة للملوحة والمقاومة للجفاف بدلاً عنها، وطالب باستخدام مياه الصرف الصحي في ري الحدائق والمنتزهات.


ولا يعتبر التصحر خطراً جديداً، فقد عُرفت ليبيا منذ الستينات بمقاومتها للتصحر باختراع طريقة لتثبيت الرمال برش المادة النفطية تحت ضغط 177 إلى 277 رطل على البوصة المربعةِ لتكوين غشاءٍ موزَع على سطح الأرض، باتت تعرف هذه الطريقة بالطريقة الليبية.


خطط مستقبلية: هل سننفذ من تأثيرات المناخ؟

بعد 6 سنوات من الاتفاق عليها عالمياً، أعلن رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية في يونيو - 2021 عن قرار حكومته في التوقيع على اتفاقية باريس للمناخ لتضم ليبيا إلى قائمة الدول المصدقة على الاتفاقية. وقال إن ليبيا هي إحدى الدول الأكثر تضررًا بالآثار السلبية التي تسببها تغيرات المناخ الحالية.


ودعم رئيس الوزراء الليبي "نهج جديد يرتكز على التعاطي الأخضر والتنمية منخفضة الكربون واتخاذ مزيد من الخطوات في وقف الانبعاثات الغازية الدفيئة ومنها استخدام الغاز الطبيعي كبديل للوقود السائل في تشغيل العديد من المحطات الكهربائية."


فهل ستساعد الخطط المستقبلية هذه في حماية ليبيا ومواطنيها من خطر التغيرات المناخية التي تهددهم؟ 

(هذه المقالة بالتعاون مع مجتمع قلوبل شيبرز)




مواضيع أخرى قد تهمك