تحقيق في صفحة «المصدر»: كتّاب بلا أثر وهويات رقمية متغيّرة
-

تحقيق في صفحة «المصدر»: كتّاب بلا أثر وهويات رقمية متغيّرة

في الرابع عشر من مارس 2026 نشرت صفحة «المصدر» مقال رأي بعنوان «غزو صور حفتر لشوارع برقة: دعاية لا تصنع شرعية ولا تُبني وطناً». حصد المنشور 741 تفاعلاً و389 تعليقاً و183 ألف مشاهدة. كان موقّعاً باسم خالد البرعصي، وبجانب الاسم صورة شخصية لرجل خمسيني ذي شعر أشيب مجعّد. لا يوجد على الإنترنت أي أثر لكاتب ليبي بهذا الاسم. والوجه المرفق ليس وجهه.

ولكن هذه ليست حالة منفردة، وليست المرة الوحيدة. منصة «المصدر — Almasdar Media» — ووريثتها «L218 News» — تنشران منذ أكثر من عام سيلاً من «مقالات الرأي» موقّعة بسبعة أسماء بلا أي وجود رقمي خارج شبكتهما، وكلها مرفقة بصور وجوه تحمل البصمات التقنية نفسها: خلفية مبهمة، وعينان في الموضع ذاته من الإطار، وقَصّ محكم عند الذقن. وتنشر هذه المقالات على فيسبوك وإكس، عبر ثلاث صفحات على الأقل تحمل الهوية البصرية نفسها، وتُعاد نشراً في صفحات تابعة وحسابات شخصية.

تقدّم المنصة نفسها بوصفها «منصة إخبارية ليبية تلتزم المهنية». ترفع شعاراً من ثلاث كلمات: «الحقيقة بلا ريب»، وبلغت خلال بضعة أشهر مليون متابع على فيسبوك. لكن خلف هذه الواجهة لا يوجد اسم مسؤول واحد. لا موقع إلكتروني رسمي، ولا سياسة تحرير واضحة، ولا عنوان واحد.

يتتبع هذا التحقيق ثمانية عشر شهراً من نشاط هذه المنصة، اعتماداً على بيانات شفافية فيسبوك وإكس، ومكتبة إعلانات ميتا، وأرشيف الحسابات، وقراءة مقارنة لنصوص المقالات، ومنهجية الإغراق بالمحتوى الموجّه. ويخلص إلى أن ما يجري ليس صحافة معارضة تحمي كتّابها بأسماء مستعارة، بل عملية إعلامية منظّمة تُخفي هويتها بشكل منهجي، وتصنع شخصيات لا وجود لها لتوقّع بها محتوى موجّهاً، وتُغرق به منصات التواصل.

أولاً: مصنع الكتّاب — أبطال بلا هوية حقيقية

أقوى أدوات المنصة في بناء المصداقية هي مقالات الرأي الموقّعة. الاسم وحده يمنح النص مسؤولية؛ والصورة تمنحه وجهاً. والقالب موحّد في كل مرة: شريط أحمر بكلمة «مقال»، واسم الكاتب إلى جواره، وصورة شخصية في مربع بحواف مستديرة، وعنوان أبيض عريض في الشريط السفلي. البحث عن هذه الأسماء والوجوه خارج شبكة «المصدر/L218» أعطى نتيجة واحدة تقريباً: لا شيء.

جدول 1: نتائج البحث عن تواقيع المنصة في المصادر المفتوحة، أغسطس 2026

التوقيع

مثال لمقال مكتوب باسمه

المنصة

امراجع البكاي

صدام حفتر و«مكياج الرتب» حفتر… من ورقة إقليمية إلى عبء يجب التخلص منه

المصدر + L218

آمنة الفرجاني

مقالات ضد حفتر مقالات تروج للدبيبة كمصلح

المصدر + L218

خالد الترهوني

الجنوب و«ثمن الوهم»

المصدر + L218

خالد البرعصي

فساد «جيش حفتر» وصوره في برقة

المصدر + L218

مروان الطبال

حين يكتشف المصفّق أن المنصّة لا تحمي أحدًا الدور بكرا عليكم

المصدر + L218

محمد الفيتوري

الدبيبة والدين  | الدبيبة والدين2

المصدر + L218

فؤاد الصويعي

«كيف يؤدي الإنفاق الموازي إلى انهيار الدولة؟»

المصدر + L218

  

الاسم المستعار ممارسة مشروعة ومنتشرة في ليبيا، وبيئة العمل الصحفي فيها من الأخطر في المنطقة؛ حماية الكاتب من الانتقام المسلح مبرر كافٍ ولا يُنتقص منه. لكن الاسم المستعار شيء، وبناء شخصية كاملة شيء آخر: اسم ثلاثي منسوب إلى قبيلة، وصورة وجه، وقالب مؤسسي يقدّمه ككاتب رأي في المنصة. الأول إخفاء لكاتب موجود؛ والثاني تصنيع كاتب غير موجود — وبالتالي فإن هذا التصرف يمكن تصنيفه على أنه اعتماد لسياسة التزييف العميق وصناعة الهويات الوهمية كجزء أساسي من المحتوى، مما ينسف أي مصداقية للمقالات والتحليلات المنشورة تحت هذه الأسماء المبتكرة.

الوجوه الأربعة: بصمة تقنية واحدة

 أربع «شخصيات» من طاقم المنصة. من اليمين: «خالد البرعصي»، «فؤاد الصويعي»، «خالد الترهوني»، «امراجع البكاي». الصور مقتطعة من منشورات «المصدر» و«L218» كما نُشرت، دون أي معالجة عدا الاقتطاع وتوحيد الارتفاع. لاحظ التكرار: الإطار نفسه، وحجم الرأس نفسه داخل الإطار، والعينان عند الارتفاع نفسه، والخلفية مبهمة في الحالات الأربع، والقصّ ينتهي عند الذقن أو تحته بقليل.

البحث بأداة التعرف على الوجوه PimEyes لم يُرجع أي نتيجة مطابقة لأي منها. هذه النتيجة وحدها لا تكفي — تغطية الأداة لغير الغربيين ولذوي الحضور الرقمي المنخفض ضعيفة. لكن هذا الغياب التام لأي أثر رقمي، بالإضافة إلى الفحص البصري الدقيق للصور، يرجّح بقوة أن هذه الشخصيات وهمية، وأن الصور وُلّدت بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتظهر في الصور عدة سمات كلاسيكية تشير بوضوح إلى خوارزميات التوليد الآلي، وأبرزها:

— الخلفية المبهمة: الخلفية عبارة عن ألوان متداخلة وغير واضحة المعالم، وهو أمر شائع جداً في الصور المولّدة آلياً، حيث يركّز النموذج على تفاصيل الوجه ويهمل بناء خلفية منطقية.

— التمركز المثالي: نلاحظ تمركز العينين في نقطة محددة جداً في منتصف الصورة، وهي من أبرز خصائص خوارزميات توليد الوجوه التي تعتمد على قوالب هندسية ثابتة لمكان الوجه والعينين. وهو ما يفسّر تطابق ارتفاع العينين في الصور الأربع رغم اختلاف «أصحابها».

— تشوّهات الحواف: هناك تداخل غير طبيعي أو «ذوبان» لبعض خصلات الشعر مع الخلفية، وهو عيب تقني يظهر غالباً عند محاولة الذكاء الاصطناعي فصل الأطراف الدقيقة عن الخلفية — ويظهر بوضوح في صورة «خالد البرعصي» ذات الشعر المجعّد.

— القصّ عند الذقن: يمكن ملاحظة أن الصور يتم اقتصاصها جميعاً عند حافة الذقن أو أسفلها بقليل. وهذا ليس اختياراً جمالياً: مولّدات الوجوه المجانية الشائعة تضع علامة مائية أسفل يمين الصورة، والقصّ عند الذقن هو أسرع طريقة للتخلص منها.

دقيقتان لصنع صورة «كاتب رأي»

لتوضيح مدى سهولة هذا التزييف، ولّدنا الصورة أدناه في ثوانٍ معدودة عبر أداة This Person Does Not Exist المجانية، التي تعمل بنموذج StyleGAN2. الشخص الظاهر فيها لا وجود له إطلاقاً. ويمكننا ببساطة أن نطلق عليه اسم «علي العقوري» وننسج حوله قصة: صفة، ونسب قبلي، وسيرة مهنية، ثم مقالات أسبوعية بتوقيعه.

وجه غير موجود، وُلّد في ثوانٍ. لاحظ في الزاوية السفلية اليمنى العلامة المائية «StyleGAN2 (Karras et al.)» التي تضعها الأداة — وهي بالضبط ما يفسّر القصّ عند الذقن في صور «كتّاب» المنصة. ولاحظ كذلك الخلفية المبهمة وموضع العينين، وهما السمتان نفساهما في الصور الأربع أعلاه.

ثانياً: هوية رقمية متنقلة

تُظهر بيانات شفافية فيسبوك أن الصفحة التي أصبحت «المصدر — Almasdar Media» أُنشئت في 15 أبريل 2025 باسم «أخبار طرابلس الآن»، ثم تغيّر اسمها إلى «هنا صوت الشعب» في 9 يوليو 2025، قبل أن تحمل اسم «المصدر» في 7 سبتمبر 2025. وأعلنت الصفحة في 19 يناير 2026 تجاوز حاجز المليون متابع. ووفق سجل المنشورات الذي اعتمده التحقيق، كان آخر منشور محفوظ للصفحة الأصلية في 11 مايو 2026.

شفافية صفحة «المصدر» الأصلية. ثلاثة أسماء متعاقبة خلال سبعة عشر شهراً، ومشرف واحد متبقٍّ في ليبيا بعد أن كانوا أربعة.

أما الصفحة الثانية التي استخدمت اسم «Almasdar Media - المصدر»، فقد أُنشئت في نوفمبر 2025 باسم «ليبيات»، ثم «ليبيا بعيون هلها»، ثم «مرغم للسيارات - ليبيا» في 3 مايو 2026، قبل أن تتحول إلى «Almasdar Media - المصدر» في 14 يوليو 2026. وتُظهر لقطة بيانات الشفافية هذا التسلسل.

يانات شفافية الصفحة الثانية«Almasdar Media - المصدر»

أما صفحة «L218 News» وهي الصفحة الوريثة للمصدر الأصلية فقد أنشئت على فيسبوك في أبريل 2026
بينما على اكس تشير البيانات المحفوظة إلى أن حساب «@AlmasdarPtf» وحساب «@L218news» يحملان تاريخ الانضمام نفسه، أكتوبر 2024. كما ظهرت منشورات قديمة بمعرّفاتها ذاتها بعد تغيير اسم المستخدم، وسجل الحساب تغييرين للاسم حتى يوليو 2026. هذه القرائن تدعم أن حساب إكس نفسه غيّر اسمه من الكصدر الى L218 News.

بطاقة «About this account» لحساب @L218news: تاريخ الانضمام أكتوبر 2024، وتغييران لاسم المستخدم، آخرهما في يوليو 2026. وتشير البطاقة إلى متجر تطبيقات تركي، لكنها لا تثبت مكان الإدارة الفعلي.

أما العلاقة بين صفحات فيسبوك الثلاث، فلا يقدم سجل المنصة العلني الذي فحصه الفريق معرّفاً مباشراً يربطها. ويستند الاستنتاج بوجود تنسيق بينها إلى تكرار التواقيع والقوالب والتصميم وتوقيت نشر المقالات نفسها. لذلك يصف التحقيق هذا الارتباط بأنه استنتاج مدعوم بقرائن.

لقطة مقارنة لمنشور واحد بتوقيع «خالد الترهوني» على صفحتي L218 News وAlmasdar Media بتاريخ 18 أغسطس 2026، بفارق دقيقة واحدة.

ثالثاً: المال — إعلان ممول بلا مُمول

تُظهر مكتبة إعلانات ميتا أن صفحة L218 اشترت إعلاناً بمعرّف 1553424759820661، عمل بين 22 و24 يونيو 2026، بجمهور تقديري يتجاوز المليون وانطباعات بين 60 و70 ألفاً، بإنفاق أقل من مئة دولار. لكن الأهم في السجل ليس المبلغ.

الإعلان لم يكن ترويجاً لمحتوى إخباري، بل هجوماً شخصياً على رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بعنوان «المنفي… مهرج ليبيا ثقيل الدم» مصحوباً بصورة مهرّج. وقد صنّفته ميتا كإعلان عن قضايا اجتماعية أو انتخابات أو سياسة، ثم أزالته لأنه عمل دون بيان «مموَّل من» المطلوب.

هذه الملاحظة الأخيرة تختصر التحقيق كله في سطر صادر عن المنصة نفسها لا عن تحليلنا: أنفقت الصفحة مالاً لتضخيم تشهير سياسي بشخص رئيس المجلس الرئاسي، ولم تُفصح عمّن دفع.

لقطة مكتبة إعلانات Meta للإعلان رقم 1553424759820661، وتظهر فترة العرض والإنفاق المقدر والانطباعات والتنبيه المتعلق بغياب إخلاء المسؤولية.

خلاصة ما توصل إليه التحقيق

كشف التحقيق عن نمط متكرر في نشاط صفحة «المصدر» ووريثتها «L218 News»، تمثّل في تغيّر أسماء الصفحات وهوياتها البصرية، وانتقال حساب إكس من علامة «المصدر» إلى «L218 News»، إلى جانب تكرار التواقيع والقوالب المستخدمة في المنشورات. كما أظهر فحص الصور الشخصية المرفقة بمقالات الرأي تشابهاً في السمات البصرية، من بينها الخلفيات المبهمة ومواضع العينين والقصّ عند الذقن، وهي مؤشرات ترجّح بقوة أنها صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي. ولم يُعثر على حضور رقمي مستقل لشخصيات الكتاب بشكل يمكن التحقق منه.

وامتد التحقيق إلى فحص ستة مقالات رأي تناولت موضوعات عسكرية وسياسية ومالية، وكشف غياب المصادر والمقابلات والوثائق والأرقام القابلة للتحقق، إلى جانب تشابه أسلوبي واضح بينها، شمل العناوين ذات الأحكام المسبقة وتكرار صيغ لغوية بعينها. كما رصد نشر المقالات نفسها عبر صفحات متعددة خلال دقائق، وتغيّر هويات الصفحات والحسابات، وإعلاناً ممولاً لم يُفصح عن الجهة التي موّلته، وفق ما أظهره سجل مكتبة إعلانات ميتا. وتشكل هذه النتائج مجتمعة صورة موثقة لأنماط إنتاج المحتوى وتوزيعه، وتطرح تساؤلات حول مستوى التوثيق والشفافية التحريرية التي تتيحها المنصة لجمهورها.

كيف أعاد التحقيق بناء البصمة الرقمية؟

تُظهر هذه الحالة كيف يمكن لمنهجية المصادر المفتوحة (OSINT) أن تتجاوز البحث التقليدي عن المعلومات، لتعيد بناء تاريخ نشاط رقمي وتتبع تطوراته عبر منصات مختلفة. فمن خلال الجمع بين بيانات شفافية الصفحات، وسجلات تغيير أسماء الحسابات، وأرشيف المنشورات، وتوقيتات النشر، ومقارنة الصور والتصاميم والنصوص، أمكن للفريق إعادة تركيب أجزاء من مسار المنصة ورصد أنماط لم تكن ظاهرة عند النظر إلى كل منشور أو صفحة بمعزل عن الأخرى. لم يعتمد التحقيق على مؤشر واحد أو لقطة شاشة منفردة، بل على تقاطع أدلة رقمية متعددة، لكل منها دلالته وحدوده، وصولاً إلى نتائج يمكن للقارئ العودة إلى مصادرها وفحصها بنفسه.

ماذا تكشف المصادر المفتوحة؟

الدرس الأهم هنا أن البصمة الرقمية لأي صفحة أو منصة لا تقتصر على ما تختار إظهاره لجمهورها؛ بل تمتد أيضاً إلى تاريخ أسمائها، وتغييرات هويتها، وطريقة توزيع محتواها، والعلاقات الزمنية بين منشوراتها، والآثار التي تتركها عبر المنصات المختلفة. وعندما تُجمع هذه البيانات وتُقارن بصورة منهجية، يمكن أن تكشف تفاصيل مهمة عن أنماط النشاط الإعلامي وأساليب تقديم المحتوى، حتى عندما تكون المعلومات المنشورة عن هوية المنصة أو كتّابها محدودة. وهذا ما يجعل المصادر المفتوحة أداة أساسية في الصحافة الاستقصائية الرقمية: ليس فقط للوصول إلى المعلومات، بل لفهم ما تقوله البيانات مجتمعة، واختبار الادعاءات، وإتاحة الأدلة أمام الجمهور ليتمكن من التحقق والاستنتاج بنفسه.

في الختام، تُمثّل هذه الحالة مثالاً على أنماط السلوك غير الأصيل (Inauthentic Behaviour) في الفضاء الرقمي، حيث تتداخل الهويات الإعلامية المتغيرة، والتواقيع التي يصعب التحقق من أصحابها، والنشر المتزامن للمحتوى عبر صفحات متعددة، بما قد يمنح انطباعاً بوجود أصوات مستقلة وتفاعل إعلامي أوسع مما تعكسه أنماط النشر الفعلية. كما يتيح تتبّع نبرة المنشورات السياسية، ورصد الشخصيات والجهات التي تستهدفها الصفحة بالنقد أو الهجوم، وتلك التي تتناولها بإيجابية أو تشيد بها، للقارئ تكوين صورة أوسع عن توجهها التحريري والأجندة التي يعكسها محتواها. ونترك هذه القراءة للقارئ استناداً إلى الأدلة والبيانات المعروضة، دون الجزم بارتباط الصفحة بأي جهة أو طرف بعينه قبل إجراء مزيد من التحقق.


مواضيع أخرى قد تهمك